قانون العقوبات السوري.. يناقض مبدأ المساواة في الدستور

176

خاص نسويات عشتار _ الباحثة في قضايا المرأة إيمان أحمد ونوس
من المفترض أن تتواكب القوانين المعمول بها في أية دولة مع دستورها، وإلاّ وقع التناقض لا محالة، وهذا ما تُعانيه معظم القوانين السورية ومنها قانون العقوبات الذي يضمُّ بين دفتيه العديد من المواد التمييزية فيما يخص المرأة كمكون أساسي للأسرة والمجتمع، وضرورة الاعتراف بمساواتها للرجل في الحقوق والواجبات ومن ثم تمكينها حتى يمكنها المساهمة الحقيقية في بناء الإنسان والوطن على ما نصّ عليه الدستور السوري.
لذا لا بدّ من الوقوف عند هذه المواد.
في مجال جرائم الشرف:
تُعزز المواد(192- 240- 241- 242- 548) استمرارية جرائم الشرف في المجتمع، تلك الجرائم التي طغى فيها العرف على القانون رغم إنكار رجال الدين لوجود نصوص دينية تُعزز وتُدعّم هذه الجرائم التي تحصد سنوياً أرواح العديد من النساء بذريعة الدافع الشريف الذي قد يُخفي وراءه أسباباً أخرى بعيدة كل البعد عن الشرف كالميراث، أو عدم قدرة الزوج على تطليق زوجته لوقوعه تحت عبء مهر باهظ، أو أن الفتاة أقدمت على الزواج بغير إرادة الأهل( من خارج الطائفة أو الدين أو القومية أو الطبقة الاجتماعية)أو ما شابه، فلنرَ كيف تحيّز القانون للرجل على حساب المرأة تبعاً لذهنية ذكورية بحتة صاغت القوانين بما يتلاءم وتلك الذهنية والقيم والمفاهيم التي تُغذيها:
المادة/192/ إذا تبيّن للقاضي أن الدافع كان شريفاً قضى بالعقوبات التالية:
– الاعتقال المؤبد أو الخمسة عشرة سنة بدلاً من الأشغال الشاقة المؤبدة.
– الاعتقال المؤقت بدلاً من الأشغال الشاقة المؤقتة.
– الحبس البسيط بدلاً من الحبس مع التشغيل.
وللقاضي فضلاً عن ذلك أن يعفي المحكوم عليه من لصق الحكم ونشره المفروضين كعقوبة.( لنلاحظ هنا خوف القانون على سمعة الرجل مقابل قتل المرأة دون وجل.)
المادة/240/
1- إن العذر المُحِلّ يُعفي المجرم من كل عقاب.
2- على أنه يمكن أن تنزل به عند الاقتضاء تدابير الإصلاح وتدابير الاحتراز ما خلا العزلة.
المادة/241/
1- عندما ينص القانون على عذر مخفف:
– إذا كان الفعل جناية توجب الإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة أو الاعتقال المؤبد حوّلت العقوبة إلى الحبس سنة على الأقل.
– وإذا كان الفعل يؤلف إحدى الجنايات الأخرى كان الحبس من ستة أشهر إلى سنتين.
– وإذا كان الفعل مخالفة أمكن القاضي تخفيف العقوبة إلى نصف الغرامة التكديرية.
2- يمكن أن تنزل بالمستفيد من العذر المخفف ما كان يتعرض له من تدابير الاحتراز ما خلا العزلة لو كان قضي عليه بالعقوبة التي نص عليها القانون.
المادة/242/
يستفيد من العذر المخفف فاعل الجريمة الذي أقدم عليها بثورة غضب شديد ناتج عن عمل غير محق وعلى جانب كبير من الخطورة أتاه المجني عليه.
إن كل ما يمكن أن تقوم به المرأة بإرادة حرّة حتى لو كان شريفاً، يمكن أن يجعل ثائرة الرجل تثور باعتبارها خرجت عن أعراف القبيلة وسلطة رجالها، وهذا بالتالي وفق هذه المواد يمكن أن يُبيح قتلها بلحظة غضب وثورة غير مبررة.
المادة/548/
1- يستفيد من العذر المحل من فاجأ زوجه أو أحد فصوله أو فروعه أو أخته في جرم الزنا المشهود أو في صلات جنسية فحشاء مع شخص آخر فأقدم على قتلهما أو إيذائهما أو على قتل أو إيذاء أحدهما بغير عمد.
2- يستفيد مرتكب القتل والأذى من العذر المخفف إذا فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في حالة مريبة مع آخر.
طبعاً هذه المادة عُدّلت بالمرسوم التشريعي رقم /1 لعام2011/ الذي عدّل عدداً من مواد قانون العقوبات السوري، وفي مقدمتها المادة/548/ والمعدّلة سابقاً بالمرسوم رقم/37 لعام 2009/ وتمّ استبدالها بمادة أخرى تنص على ألاّ تقل عقوبة القتل بذريعة الشرف عن الحبس مدة خمس سنوات.
صحيح أن التعديلات التي تمّت قد منحت الناشطات/ ين في مجال قضايا المرأة الأمل باعتبارها تعديلات ستُفضي يوماً إلى المساواة بين الجنسين، غير أن حصر مفهوم الشرف بالمرأة فقط دون الرجل أمر مرفوض، وبالتالي يجب إلغاء هذه المادة، والعمل على تجريم المتهم بجناية القتل العمد.
في مجال العلاقات الجنسية:
1- الزنا:
المادة/473/
1- تُعاقب المرأة الزانية بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين.
2- ويقضي بالعقوبة نفسها على شريك الزانية إذا كان متزوجاً وإلاّ فالحبس من شهر إلى سنة.
المادة/474/
1- يُعاقب الزوج بالحبس من شهر إلى سنة إذا ارتكب الزنا في البيت الزوجي أو اتخذ له خليلة جهاراً في أي مكان.
2- وتُنزل العقوبة نفسها بالمرأة الشريك.
واضح أن هاتين المادتين تحفلان بالتمييز ضدّ المرأة إذ نجد أن عقوبتها أشدّ زوجة كانت أم عازبة، بينما عقوبة الرجل العازب لا تتجاوز نصف عقوبة المرأة، وكأنها هي وحدها من ارتكب جرم الزنا أو شجع عليه، بينما الرجل هو الضحية هنا، وما يلفت الانتباه أيضاً أن عقوبة الرجل المتزوج في حال الزنا لا تتعدى السنتين في أقصى الحالات بينما عقوبة المرأة المتزوجة هو القتل وفق المادة/548/ أليس واضحاً وجليّاً تغاضي وتهاون القانون كما المجتمع عن جرائم الرجل مقابل تجريم المرأة ومعاقبتها بالقتل إن هي أخلّت بقيم الشرف والقيم الاجتماعية، أو حتى مجرد الشك بسلوكها.
2- السفاح:
المادة/476/
1- السفاح بين الأصول والفروع، شرعيين كانوا أو غير شرعيين، أو بين الأشقاء والشقيقات والأخوة والأخوات لأب أو لأم أو من هم بمنزلة هؤلاء جميعاً من الأصهرة، يُعاقب عليه بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات.
2- إذا كان لأحد المجرمين على الآخر سلطة قانونية أو فعلية فلا تنقص العقوبة عن سنتين.
3- يُمنع المجرم من حق الولاية.
إن السِفَاْح من أفظع الجرائم الإنسانية لأنها تطال المحرمات، وبالتالي القضاء على القيم الأخلاقية أو تشويهها لدى الضحية، إضافة إلى فقدان الأمان النفسي والاجتماعي والشعور بالحماية المفروض أن يمنحها الجاني إلى الضحية. لذا نجد أن العقوبة المفروضة لا تُضاهي الجرم المرتكب ولا آثاره بعيدة وقريبة المدى، ومن هنا على المشرّع تشديد العقوبة بما يتلاءم والجرم المرتكب مترافقاً مع معالجة نفسية- سلوكية بعيداً عن محاباة ذكور القبيلة الذين طالما تغنوا بالشرف ووضعوه على أكتاف النساء فقط .
3- الاغتصاب:
المادة/489/
1- من أكره غير زوجه بالعنف أو التهديد على الجماع عوقب بالأشغال الشاقة خمسة عشرة سنة على الأقل.
2- ولا تنقص العقوبة عن إحدى وعشرين سنة إذا كان المعتدى عليه لم يتم الخامسة عشرة من عمره.
المادة/490/
يعاقب بالأشغال الشاقة تسع سنوات من جامع شخصاً غير زوجه لا يستطيع المقاومة بسبب نقص جسدي أو نفسي أو بسبب ما استعمل نحوه من ضروب الخداع.
من الملاحظ أن هاتين المادتين تستثنيان الزوجة من فعل الاغتصاب الذي يقوم به الرجل تجاه الأنثى، في الوقت الذي ترزح فيه مئات النساء تحت وقع الاغتصاب الزوجي، والذي يُعتبر من أشدّ أنواع الاغتصاب فظاعة وبشاعة لأنه يتم من أقرب الناس إلى المرأة، والذي من المفترض أن تكون العلاقة معها قائمة على المودة والرحمة والاحترام دون إكراه أو إرغام. هنا أرى أنه على المشرّع أن يشمل الزوجة في هذه الجرائم حتى لا تبقى المرأة ملكية خاصة للرجل يفعل بها ما يشاء دون أدنى اعتبار لإنسانيتها وكرامتها وأنوثتها أسوة بقوانين الدول المتحضّرة.
المادة/508/
1- إذا عقد زواج صحيح بين مرتكب الجرائم الواردة في هذا الفصل وبين المعتدى عليها أوقفت الملاحقة، وإذا كان صدر حكم بالقضية علّق تنفيذ العقاب الذي فرض عليه.
2- يُعاد إلى الملاحقة أو إلى تنفيذ العقوبة قبل انقضاء ثلاثة سنوات على الجنحة وانقضاء خمس سنوات على الجناية إذا أنهت الزواج إما بطلاق المرأة دون سبب مشروع أو بالطلاق المحكوم به لمصلحة المعتدى عليها.
معلوم أن هذه المادة عُدّلت الفقرة/1/ بالمرسوم التشريعي رقم/1 لعام 2011/ إذ أصبحت عقوبة المجرم الحبس مدة سنتين على الأقل حتى وإن تزوج من ضحيته زواجاً صحيحاً.
ولكن، أعتقد أن زواجاً قام على الاغتصاب والإكراه سيكون زواجاً غير سوي وسيدمّر نفسية المرأة في كل لحظة، لأنه سيذكّرها دوماً بأن هذا الزوج انتهك كرامتها بغير رضاها، وربما يكون غير كفؤٍ لها من الناحية الاجتماعية والعلمية، ومعلوم أن الكفاءة في الزواج شرط أساسي كما ورد أيضاً في قانون الأحوال الشخصية، ما يجعل من هذا الزواج مقبرة للحياة بكل أبعادها. لذا على المشرّع التشديد أكثر في العقوبة المفروضة والبحث عن بدائل عادلة لا تقتل معها إنسانية المرأة ومستقبلها.
إن هذا الواقع بمجمله يتطلب من المشرّع سنّ قانون أسرة يواكب جميع المتغيرات التي طرأت على أفرادها والعلاقات التي تحكمها بالاستناد إلى الدستور واتفاقية حقوق الطفل وكذلك اتفاقية السيداو التي صادقت عليهما الحكومة السورية، بما يفتح أبواب الأمل في وصول المرأة لما تستحق، لأنها شريك أساسي وفعّال في هذا المجتمع، وعندما تُرتكب الجرائم غير العادلة بحقها، فهذا يعني أن هناك خللاً ما في المنظومة القيمية والأخلاقية للمجتمع، وبالتالي أن هناك خللاً واضحاً في الكثير من القوانين والتشريعات التي ابتعدت بالمجتمع عن جادة الحقوق التي كفلها الدستور لجميع المواطنين.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Themetf
WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com