فاعلية المرأة في ظل “الكوتا”

82

 

خاص نسويات عشتار _ إيمان أحمد ونوس

رغم كل التقدم الذي أحرزته المرأة، إلاّ أن حضورها في الحياة السياسية لأيّ مجتمع لا زال حضوراً هشّاً وضعيفاً لأسباب تتعلّق بموقفها الشخصي من السياسة، وأسباب أخرى تتعلّق بالقيم والتقاليد الاجتماعية الرافضة ذلك الحضور، إضافة إلى أسباب أخطر وأهم تتعلّق بالنظم والأحزاب السياسية التي لا تُحبّذ كثيراً حضور المرأة في المجال السياسي.

ولأجل ذلك، اعتُمِدَ نظام “الكوتا” أو تخصيص حصص للنساء في المجالس التشريعية والتنفيذية والتنظيمية خلال مؤتمر المرأة العالمي في بكين عام/1995/ كآلية يمكن استخدامها مرحلياً لحلّ مشكلة ضعف مشاركة وتمثيل النساء في الحياة السياسية ومراكز صنع القرار، وكذلك للحدّ من إقصائهن عن هذه المواقع، وذلك بإلزام الأحزاب السياسية والحكومات بتخصيص مقاعد للنساء في كافة المجالات، بحيث لا يجوز أن يقلّ عدد هذه المقاعد عن النسبة المقررة قانونياً.

ويهدف نظام الكوتا إلى تعويض المرأة عن التمييز الذي تُعانيه في الحياة السياسية، ذلك أن الثقة بها وبقدراتها في هذا المجال مازالت محدودة إن لم تكن معدومة، بفعل العادات والتقاليد والتشريعات والقوانين التمييزية ضدّها. ويتمُّ اللجوء إليه كخطوة هامة باتجاه تحقيق المساواة مع الرجل، وأيضاً كإجراء يهدف إلى تحويل مبدأ تكافؤ الفرص من الحيّز النظري إلى التطبيق العملي من خلال إعطاء المرأة حقاً سياسياً ثابتاً عن طريق تخصيص مقاعد لها في المجلس النيابي أو سواه من أجل دعم مشاركتها السياسية وطرح قضاياها كافة إضافة إلى قضايا الأسرة بصورة أكثر فاعلية باعتبارها الأقدر على خوض غمار هذه الميادين، ويظلُّ هذا النظام قائماً إلى حين اقتناع المجتمع بقدرات وإمكانيات المرأة.

ومع الاعتراف بأن نظام(الكوتا) يُمثل نوعاً من التمييز الإيجابي، فإنه يبقى في إطار التمييز الذي يجعل المرأة دائماً ضعيفة وفي موقع المحتاج دائماً إلى المساعدة حتى تصل إلى مبتغاها أو لبعض حقوقها، وهذا ما نصّت عليه اتفاقية السيداو في المادة الرابعة:

” المادة(4/1) لا يُعتبر اتخاذ الدول الأطراف تدابير خاصة مؤقتة تستهدف التعجيل بالمساواة الفعلية بين الرجل والمرأة تمييزاً بالمعنى الذي تأخذ به هذه الاتفاقية، ولكنه يجب ألاّ يُستتبع، على أي نحو، الإبقاء على معايير غير متكافئة أو منفصلة، كما يجب وقف العمل بهذه التدابير متى تحققت أهداف التكافؤ في الفرص والمعاملة.”

فالمساواة أمر لا بدّ منه لأنها هدف وغاية كل نشاط للجهات المعنية بقضايا وحقوق المرأة(ناشطين، أحزاب، جمعيات ومنتديات) كما أنها وحسب اتفاقية السيداو واجب جميع الدول التي صادقت عليها، من خلال سنِّ الدساتير والتشريعات التي تضمن هذه المساواة.

ويبقى الاعتراض على وصول المرأة إلى البرلمان عن طريق نظام الكوتا لعدة أسباب أهمها:

1- أنه يُضعف المطالبة والتي يُفترض أن تبقى حثيثة ودائمة من أجل تفعيل وتطبيق مبدأ المساواة التي ينص عليها الدستور بما يتناسب مع ما وصلت إليه المرأة في المجتمع من مكانة علمية وقيادية وسياسية واقتصادية متميّزة تؤهلها لأن تكون شريكاً حقيقياً ونداً مساوياً للرجل دون تمييز في الحقوق كما في الواجبات.

2- أنه يُبقي المرأة في حالة من الضعف والتبعية للقيادة السياسية التي تُحدد عدد النساء اللواتي يحق لهنّ المشاركة، إضافة إلى حق هذه القيادة في اختيارهن وفق ما تراه هي.

3- من تجربتنا المحلية نجد أن الكوتا يقف حائلاً دون وصول نساء مستقلات وكفوءات إلى هذه المجالس.

4- أن معظم النساء الواصلات إلى مقاعد البرلمان بطريق الكوتا، غير مؤهلات لخوض غمار العمل السياسي أو النسائي، بمعنى أنهن لسن معنيات إلاّ بتمثيل مؤطّر ومزيف لوجود المرأة في هذه المواقع.

5- من خلال تجارب السنوات السابقة، اتضح أن معظم النساء اللواتي تمّ اختيارهن سواء من القيادة السياسية أو من خلال الأحزاب المشاركة، لم يتعاطين مع قضايا المرأة المطروحة في البرلمان بالشكل المطلوب منهن، باعتبارهن المعنيات أكثر من سواهنّ من النواب، وخير مثال موقفهن السلبي من مسودتي مشروع قانون الأحوال الشخصية في العام/2009/ وكذلك مسألة منح المرأة السورية جنسيتها لأبنائها ورفض المجلس مناقشة مشروع تعديل قانون الجنسية السوري، وحملة وقف جرائم الشرف التي حصدت العديد من أرواح السوريات.

من هنا نجد أن نظام الكوتا رغم إيجابيته مرحلياً، لكنه يحمل في طيّاته سلبيات تُضّر بالهدف الذي مورس من أجله، وهو تمكين المرأة مرحلياً، فلئن وصلت نساء كما ذكرت أعلاه، فهل هذا يعمل على تمكين المرأة وقضاياها في المجال السياسي وغيره من المجالات..؟

ثمّ من قال أن انخراط المرأة في العمل السياسي يقتصر فقط على الحياة البرلمانية، ألا يُعتبر تواجدها ونشاطها سواء في الأحزاب أو مؤسسات المجتمع المدني أو غير ذلك كفيل بتأهيلها وتمكينها من ممارسة دورها السياسي، وفرض وجودها في هذا البرلمان وسواه.؟

نحن بحاجة لنساء مُتميّزات في مراكز القيادة وصنع القرار يتناسب مع ما وصلت إليه المرأة فعلاً من قدرات وكفاءة حازتها بكل جدارة واقتدار، كما أننا بحاجة ماسّة فعلاً أن تُعطى المرأة الفرصة لإثبات ذاتها وقدراتها بعيداً عن الكوتا والمحسوبيات بكافة اتجاهاتها، لأن نجاح المرأة في ذلك سيُشيع حتماً ثقافة مجتمعية جديدة تثق بالمرأة وبضرورة مشاركتها جميع المجالات.

وعلينا ألاّ نُغفل أمراً غاية في الأهمية، وهو أن العديد من الأحزاب السياسية التي تبنّت مسألة المساواة وحقوق المرأة، مازالت تتعامل مع المرأة بذات الذهنية المجتمعية، وكذلك بذات الممارسات السلطوية من حيث اعتبار وجود المرأة إن كان في القيادات أو المؤسسات ما هو إلاّ وجود صوري يقتضيه الالتزام بالشعارات المطروحة، والدليل عدد النساء القليل في قيادات هذه الأحزاب، إضافة إلى أن ترشيح النساء للبرلمان وسواه في هذه الأحزاب خاضع أيضاً لمبدأ ضرورة وجود امرأة كي لا يُتهم هذا الحزب بأنه ضدّ المساواة، فلا يكفينا أن يُطلق قادة هذه الأحزاب شعارات المساواة، وحمل لواء قضايا المرأة، كما لا يكفينا أن يحاضروا بتلك الحقوق، بل إن ما نريده هو العمل الحقيقي والإيمان الأكيد بقدراتنا نحن النساء في خوض غمار الحياة السياسية وسواها دون الاتكاء لا على ترشيح الأحزاب ولا على قرارات القيادات السياسية.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Themetf
WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com