عمل المرأة وراتبها جواز سفر منشود.. ونوال ضحية عملها !!

187

خاص نسويات عشتار _ الباحثة في قضايا المرأة   إيمان أحمد ونوس

يُعتبر عمل المرأة من أولى وأهم دعائم تحررها واستقلالها الاقتصادي، و تقدّم وتطور المجتمع. وانطلاقاً من ذلك جاهدت وتجاهد معظم النساء لأجل العلم والعمل تساعدها في ذلك التشريعات والقوانين ذات الصلة.
ولا يمكننا أن نغفل ما لهذا العمل من مردود مادي ومعنوي انعكس على المرأة وعلى محيطها الأسري، لكنه بذات الوقت اتخذ اتجاهاً سلبياً لجهة علاقتها بالرجل- الزوج- في بعض الأحيان والحالات، فمن جهة صار عمل المرأة جواز عبور لزواجها، حيث أن الوضع الاقتصادي المتردي والذي لا يمكن لعمل الرجل منفرداً تغطيته، قد فرض على هذا الرجل البحث عن زوجة موّظفة تساعده في تحمّل أعباء الأسرة والحياة.
ومن جهة أخرى يكون عمل المرأة مصدر تعبٍ وإذلالٍ لها ولإنسانيتها عندما لا يرى فيها الرجل إلاّ ورقة اعتماد مصرفية فقط، مُتجاهلاً ما تعانيه من متاعب جسدية ونفسية تُفضي بها إلى الاكتئاب في كثير من الأحيان عندما تجد نفسها مُحاصرة ما بين أمومتها وأنوثتها من جهة وعملها ومسؤولياتها كربّة أسرة من جهة أخرى فهي تنوء تحت كلكل تلك الأعباء  دون نظرة احترام أو حنان من الرجل أحيانا ، أو حتى تعامل إنساني يُنسيها أو يُخفف من تعبها وهمومها اليومية.
يفرحنا كثيراً أن يفتّش الشّاب عن زوجة موّظفة أو عاملة حتى لو كان الدافع مادياً بحتاً، لأنه بداية اعتراف بحقها في العمل وأنها شريكته في إدارة مسؤوليات الأسرة وهذا هو الأهم باعتباره خطوة ضرورية لتغيير قناعة المجتمع والرجل بأهمية عمل المرأة.
لكن أن تكون نواياه فقط محصورة بما تقدمه له من اعتمادات شهرية فهذا ما هو مرفوض لأنه يُلغي العلاقة الإنسانية في تلك الشراكة الزوجية ويحيلها إلى علاقة مادية بحتة تقتل مشاعر المرأة وعواطفها وتُقلل من جدوى عملها ودورها في الحياة، وبذات الوقت يكون راتبها مصدر قلق ورعب حقيقي يهدد استمرار العلاقة كما يهدد أركان الأسرة، لاسيما إذا عرفنا أن وجودها في حياة هذا الرجل لا يساوي شيئاً بدون راتبها، خصوصاً إذا رفضت استيلائه على تعبها وجهدها من خلال الراتب، إضافة إلى رفضها مقايضته لها أو تخييرها ما بين أن تعطيه رابتها أو طلاقها. وهذا للأسف ما تتعرض له كثير من النساء، ونوال واحدة منهن.
تخرجت نوال من المعهد الطبي وعملت في أحد المشافي، وبالطبع سيكون عمرها عند ذلك قد تجاوز العشرين، ولأنها من أسرة ميسورة الحال، فقد كان رابتها ملكاً لها بالكامل، و كان لها رصيد في المصرف إضافة إلى بعض المصاغ الذهبي حالها حال معظم الفتيات العاملات اللواتي لا تحتاج العائلة إلى مرتبهن.
ولهذا كانت هدفاً لأحدهم الذي خطط للزواج منها طمعاً في كل هذا مع أنها قاربت الخامسة والعشرين من عمرها، أي في مثل سنّه حيث تغاضى عن تلك المسألة التي ترفضها أعراف بيئته التي اعتبرتها عانساً وفوق ذلك لا تتمتع بجمال فائق. ولأنها ككل الفتيات تحلم بالزواج والاستقرار والعائلة وافقت على الزواج منه دون أن تعلم أن راتبها ورصيدها ومصاغها هي الدافع وراء هذا الزواج فقط لأجل أن لا تصل مرحلة العنوسة كما يسميها المجتمع.
بدايةً استولى على كل رصيدها بحجة إعادة ترميم بيت الأسرة( فهي تسكن مع أهل الزوج)، إضافة إلى اقتراضها على راتبها لأجل تجهيز هذا البيت. وتمّ الزواج، وأنجبت أول طفلة بعد عام على زواجها، وطبعاً بقي هذا الزوج المحترم يضغط عليها بين الحين والآخر وبحجة إقامة مشاريع لأجل تحسين وضعهما الأسري لكي تبيع بعض مصاغها وإلاّ…. ولم يكن بإمكانها إلاّ أن ترضخ له حتى لا تهدم حياتها وبيتها لاسيما في ظل وجود طفلة مازالت بحاجة لوجود الأبوين معاً… مع معرفتها بأنه يبتزّها فقط فهو لم يكمل أو بالأحرى لم يقدم على أيّ من مشروعاته المطروحة.
وعندما شارف مخزونها الذهبي على النفاذ بدأ سلسلة الضغوطات والتعذيب التي يعتقد هو وأهله بأنها كفيلة بالمزيد من استنزاف راتبها مع أنها رُزِقت بطفلة أخرى بناءً على رغبته هو، ولا يمكننا ذكر كل حالات الضغط والتعذيب التي مارسها عليها لأنها تحتاج إلى ملفٍ كامل. وكان أهلها في كل مرّة تعود فيها إليه يضعون عليه شروطاً قاسية توخيّاً لتجنيبها العديد من المتاعب التي تهدد استمرار الحياة بينهما…
لكن أفظع حالة أوصلها إليها كانت يوم تركها وحيدة في طريق صحراوي يؤدي بهما إلى قرية أهلها وذلك إمعاناً في إذلالها، فما كان منها إلاّ أن اتصلت بأهلها فحضروا لاصطحابها إليهم وبقيت عندهم مدة شهرين عاد وحاول فيها إرجاعها إلى البيت من أجل الطفلتين ومن أجل المزيد من ابتزازها الذي وصل مؤخراً حدّ طلب مرتبها بالكامل بعد إعطائها مبلغاً زهيد كمصروف لها لا يتجاوز الخمسمائة ليرة سورية…
فماذا تتوقعون منها…؟ لقد وافقت على طلبه من أجل بقاء طفلتيها في حضنها لأنه في كل مرّة كان يأخذهما منها بتأييد من أهله، عدا عن دفع الصغيرتين لسلوكيات فيها عدم احترام للأم…
لا أعتقد أن الحالة المذكورة حالة نادرة في المجتمع الذي يعجُّ بأكثر من نوال وهيفاء وفاطمة… والكل يقف مكتوف اليدين إذا لم يكن داعماً للرجل من أجل ألاّ تتفكك الأسرة، وأولهم أهل الزوجة خشية تسمية مطلّقة.
فهل بقي من أثر إيجابي لتحرر المرأة الاقتصادي في ظلّ وضع كهذا…؟
بالتأكيد نحن لا ندعو إلى رفض عمل المرأة، بالعكس، ولكن في مثل هذه الحالات من المسؤول عن هكذا تعامل مع المرأة أولاً، ومع عملها ثانياً والذي من المفترض أن تجد مقابله تقديراً وتثميناً لجهودها المبذولة داخل وخارج البيت على حدٍّ سواء لاسيما عندما تكون أمّاً وزوجة.
لا شك أن الذهنية المجتمعية والعقلية الذكورية التي ترى في المرأة عموماً، والزوجة خصوصاً ملكاً للرجل بكل أبعاد هذه الملكية بدءاً من حياتها وحريتها وليس انتهاءً براتبها وعملها، هي المسؤولة أولاً وأخيراً عن مثل هذه الحالات، وتأتي المرأة لاحقاً عندما تستكين لهذه المعاملة خشية تفكك الأسرة أولاً، ورهاب كلمة مطلّقة ثانياً.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Themetf
WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com