سارة من كتيبة المغاوير الأولى تحكي قصة سوريات غادرن الزينة.. والتحقن بالجيش العربي السوري.. هكذا استشهدت ميرفت سعيد.. نحن على طريق الشهادة أو النصر!

353

خاص نسويات عشتار _  لين بسام حسنة

في سورية يتسابق الجميع إلى الشهادة قرباناً لوطن عشقوه،
فالمرأة السورية هي حفيدة عشتار ،  مثلها مثل الرجل لها الحق بالمشاركة في بناء الدولة ، والدفاع عن ترابها جنباً إلى جنب مع الرجل عندما تتعرض للعدوان .
اليوم نسلط الضوء على حكاية من حكايات الشرف والعزة التي نسجتها فتيات سورية بدمائهن الطاهرة التي روت أرض الوطن .
من هنا انطلقت أول  شهيدة في الحرس الجمهوري ميرفت سعيد  ابنة بيت ياشوط بريف مدينة جبلة، ونسجت بدمائها قصص البطولة للتاريخ والأجيال القادمة من أصالة شعبٍ لا يبيع ترابُه بالغالي والنفيس .
ناداها الوطن فلبتهُ بكل رحابة صدر .
وانضمت إلى صفوف الجيش العربي السوري . الشهيدة مرفت سعيدالتي نالت شرف الشهادة  في 17 شباط 2014 .
حكايات البطولة ترويها لنا  رفيقة السلاح ساره حول مرفت وحول الفتاة السورية المقاتلة في صفوف الجيش العربي السوري البطل .

س 1_ ماهي أسباب انضمامك إلى الجيش العربي السوري ؟هل الشغف وحده أم أن الأوضاع الراهنة أثرت على انضمامك؟

_ أن أرتدي زي الجيش العربي السوري وأحمل سلاحه على أكتافي كان أحد أحلامي منذ نعومة أظافري ، وكنت قد طلبت من أبي ذلك ، لكن كانت إجابته دوماً بأنه لايوجد حروب في سورية ، تجعلنا نحمل السلاح وأن مهمتنا الوحيدة للدفاع عن وطننا هي أن نتابع دراستنا ونتفوق بها.
لكن بعد عدة سنوات تغيرت الأمور كلياً ووقعت الحرب ، نجحت ونلت الشهاده الثانوية في الثالث من شهر أيلول عام ألفين وثلاثة عشر، و  كانت لحسن. حظي المرة الأولى في سورية التي يعلن بها عن قبول طلبات الفتيات للالتحاق بصفوف الجيش العربي السوري، وكان لنا الشرف أنا وصديقاتي اللواتي انضممن لهذه الكتيبة أن نكون في كتيبة ” المغاوير الأولى” .

2_ كيف أثر قرارك بالالتحاق بصفوف الجيش العربي السوري على حياتك ك فتاة سورية في ربيع عمرها ؟؟

_ لا يوجد آثار سلبيه لقراري وإنما أثر إيجابياً نعم في حياتي ، وأحدث تغييراً كبيراً في شخصيتي ، منحني هذا القرار القوة والثقة بالنفس ، وكسر حواجز الخوف في داخلي .

3_ كيف تعامل أفراد عائلتك ومجتمعك مع قرارك ؟ وهل كان هناك آية معوقات ؟ وماذا فعلت لتجاوز العقبات ؟

_ بالنسبة لعائلتي لم يواجهوا قراري بأي من الرفض ، بل على العكس تمامآ أبي كان فخوراً بي جدآ وأيدني وشجعني بكل خطوة ، و أذكر بكثير من الفخر عندما عدتُ إلى قريتي للمرة الأولى بعد التحاقي ، وأنا في الزي العسكري انهكني التعب وطغت البدلة على ملامحي ، واكسبتني صلابة وقوة وأمدتني بشعور غير منته بالعزة والكرامة أحسستُ بنفسي مختلفة  بل ومتميزة للوهلة الأولى بين أصدقائي و الأشخاص الذين هم في سني ، أما بالنسبة لكبار السن  فقد التقوا بي بكل محبة وبنظراتهم الممتلئة بالحنان والتقدير والاحترام الشديد والفخر ، ربما لأنهم احترموا قراري وأدركوا أهميته في هذه اللحظات الحاسمه التي تمر بها سورية الحبيبة .

4_ كيف تعاملتي مع أنواع التدريبات التي خضعت لها ؟ وكيف كانت ردة فعلك وفعل زميلاتك؟؟

_ انتهت مرحلة التدريب الأولى وانطلقنا من مطار الباسل إلى دمشق نتيجة إغلاق كافة الطرقات نظراً للأوضاع الراهنة وتم الأمر سرياً للغاية لذلك لم يخبر أحداً منا عائلته ، ذهبنا إلى مكان بعيد ومجهول كلياً بالنسبة لنا،  وهناك تغير كل شيء في هذه الحياة الجديده، لم يعد بإمكاننا أن نرى عائلاتنا،
ولا حتى التواصل مع احبتنا، هي حياة جديدة كليا علينا قوامها النظام والانضباط والالتزام .

“العسكرية” كلمة لا يفهمها إلا من اختبرها
قلوب قوية قاسية قادرة ع مواجهة كل صعوبات الحياة ،
كان علينا أن نتعلم القسوة والقوة والجلادة والصلابة ،والحزم واالانضباط واحتارام الوقت .
وعلينا أن نتمالك أنفسنا وانفعالاتنا ، فلا وقت للدلال  أو اللين ، فمثلاً عندما فقدت
إحدى الفتيات وعيها وسقطت أرضاً فاندفع الجميع لمساعدتها ، ولكن لم يُسمح لنا بالاقتراب منها ، كان على التدريب أن يستمر دون أن يعطي بالاً ، وكان عليها أن تنهض وتتابع تدريبها معنا، كل ذلك من أجل أن نتعلم كيف نتعامل مع  بعضنا خلال  الحروب،  فإن أصيب زميلك يجب أن تسحبه من أرض المعركة بطريقه تكتيكيه لا اندفاعية متهورة ،
ليتحول بعد ذلك من التدريب الخفيف إلى مرحلة أعلى ومتخصصة أكثر من التدريب.

5_ كيف تصفين علاقتك مع زميلاتك في تلك الفترة ؟ وهل واجهتن صعوبات ؟
_ كانت علاقتنا قوية جداً ومتماسكة جداً خلقتها الحياة المشتركة والظروف المشتركة والتعب والإرهاق خلق بيننا نوع من الألفة والمحبة عميق جداً ، واجهتنا كثيراً من الصعوبات والمعوقات ، ففي كل يوم كنا نعود به نضع رؤوسنا على أكتاف بعضنا ويمضي الليل بنا معا كعائلة ، كان وجودنا سوياً يقلل من تعب النهار الطويل،
كنا مختلفين كلياً ،و لكننا كنا  نآزر ونساند بعض حتى على تقديم الدعم النفسي لبعض الفتيات ذوات القلوب الضعيفه، فكنا نقضي ليلنا  أحيانا على تدريبهن على الأسلحة و إستخدامها وتجاوز الأخطاء التي يمكن أن تواجههم في اليوم التالي ، حتى في دروس الرياضة كنا نركض بصف واحد وعلى نسق واحد ، ذلك كي لا تتقدم واحده على الأخرى تجنباً لأي خطأ محتمل لنكون جسد واحد و قدم وذراع واحدة، ضمن روح فريق متماسك قوي قادر علي دحر الإرهاب وأدواته.

6 _ هل أنت راضية عن نفسك وعما اخترته؟
_
نعم أنا فتاة راضية عن نفسي وأعتز بكل شيء قدمته، وإن عاد الزمان بي لن أختار سوى هذا الطريق سأتخلى عن حياتي المدنية والجامعية بملء إرادتي وأنضم إلى صفوف الجيش العربي السوري بكل اعتزاز وفخر،  فأنا أقدم واجبي تجاه وطني حتى وإن كنت غير مجبرة على الخدمة العسكرية.

7_ ماذا كان شعورك عندما استبدلتي هويتك المدنية بالعسكرية ؟

_ كانت لحظة جميلة جداً حين استلمت الهوية العسكرية، فرحت كثيراً فأنا كبرت وأصبح على عاتقي مسؤولية كبيرة تهرب منها كثير من الشباب، كان للحياة العسكرية تأثيرها البليغ في حياتي فقد منحتني قضية كبرى أعيش لأجلها، وبالطبع الحياة المدنية أسهل بكثير ولكنها لم تكن خيارا لي  ؟
8 _ أنت فتاة في الثالثة والعشرين من عمرك ، استبدلت حياتها المدنية بمسؤوليات أكبر منها ؟ كيف تنظرين لنفسك الآن وكيف ينظر لك الجميع؟

_ حين دخلتُ إلى الجيش وارتديت البدلة العسكرية تخليت عن تسريحات الشعر وثياب الموضة، عن علب التزيين، عن نزهاتي مع الأصدقاء، عن الضحكات التي كان صداها يملأ الأجواء فرحاً، تخليت عن السهرات، عن الاستسلام  للحظات الكسل والنوم تخليت عن كل ماتهواه أية فتاة ،
ابتعدت عن حضن أهليواستبدلته بحضن الوطن،  فما عادت والدتي تأتي ليلاً إلى سريري لتغطيني، وبقيت ترافقني بدعائها،  فأنا اخترت طريق الجيش بصعوبته وقسوته، وبعده عن الأحبة ، في الجيش ليس هناك من يخفف تعبي بكلمة ” الله يعطيكي العافية “، ولكن هناك رفيقات السلاح نتبادل الدعم، ليس هناك طعام الأم الذيذ  والمتنوع ولا الحمام الدافئ ، ليس هناك هناك سوى قضية نحارب بكل قوتنا لأجلها تتطلب منا الشجاعة و الصبر ، القسوة ، والعمل المتواصل تحت الرصاص ورائحة الدم، بكل ما أوتينا من  القوة ، و إيمان ،
بقضيتنا العادلة سلاحاً لننهي مهمتنا ونعود منتصرات بسلام مع رفيقات السلاح .

9_
كيف تتذكر ساره لحظات استشهاد ميرفت سعيد التي نالت شرف الشهادة في ساحات المعركة بتاريخ 17 شباط 2014 ؟ وهل أثر استشهاد صديقتك على عزيمتك في إكمال الطريق الذي بدأت به.. أم زادك إصراراً على متابعته؟
_
ذات يوم كان علينا الالتحاق بإحدى المهمات التي لم يكن اسم ميرفت مدرج بها ، بعد أن استعدينا للإنطلاق جاءت وطلبت  أن تنضم لنا وكان لها ما أرادت ، ولم تكن تعرف أنها استعجلت الشهادة  أو ربما سارت إلى شرف كتب لها أن تناله فكان.
و عندما وصلنا أخذت كل واحده مكانها لم نكن بالبناء نفسه لكن أختها “لورين” كانت معها بالنقطة ذاتها .
استلمت لورين الطلاقية وكانت ميرفت ترفع الغطاء الذي كان قد وُضع على النافذة كي تبدأ مهمتها بقنص الإرهابين وتحمي شقيقتها وصديقاتها أثناء التقدم
في أول مرة رفعت بها الغطاء كانت الساعة التاسعة والمرة التالية كانت الساعة الثانية،
صدر صوت إطلاق النار انحنت الفتيات على الأرض ليحموا أنفسهم وكانت ميرفت عندها على الأرض أيضاً ولكن من شدة الغبار لم ير أحدآ أنها قد أصيبت .
جاء أمر بالانسحاب، زحف الجميع باستثناء ميرفت، واعتقد الجميع أنها فاقدة وعيها،
أمسكوا بها وسحبوا جسدها من قدمها وسال عندئذ دمها الطاهر  وراءها في أنحاء الغرفة، كانت إصابتها في رأسها ركضت شقيقتها لورين وأمسكتها من رأسها،
حملت على الأكتاف وأسعفت، وبالسؤال عن حال ميرفت وكانوا يقولون لنا مجرد جرح بسيط برأسها،
بصعوبة تواصلنا مع لورين فقالت لنا أنا أمام غرفة أختي ميرفت، وحذاؤها والغطاء الذي كانوا قد لفوها به أمام الباب وعندها خرج الطبيب كانت الصدمة عندما زف شهادة ميرفت”مبارك عليك شهادة شقيقتك”
كانت صدمة كبيرة لها ولنا ، لم نتخيل يومآ أن إحدى المقاتلات ستفارقنا بهذه السرعة  لم نتخيل أننا سنرى بعضنا بثوب الشهادة قبل ثوب عرسنا، ولن العلم السوريثوب زفاف ميرفت في عرس من نوع آخر  لايضاهيه عرس في الوجود، ملأنابالفخر رغم حزننا الشديد على فراقها،
كان يومآ صعبآ وقاسيآ ، المقاتلون والمقاتلات والحجر والبشر كان قد بكى  الشهيدة ميرفت  رحم الله روحها الطاهرة .
اعتقدنا للحظة أنها هذه هي النهاية ، لكن في نهار اليوم التالي استيقظنا وكان لدينا قوة كبيرة وإصرار وحماس أكثر من اليوم السابق ،
كان لدينا هدف واحد فقط أننا نقاتل فداء أرضنا الطاهرة وكرامتنا وأصبح لدينا هدفآ جديدا وهو الثأر لدماء ميرفت وكل الشهداء الأبرار واجتثاث الإرهاب من جذوره  .
انقسمنا لقسمين الأول خرج في تشييع الشهيدة ميرفت والآخر ذهب إلى المهمة التالية بعزيمة وإصرار  لامثيل لها .
استشهاد ميرفت منحنا قوة كبيرة وحتى شقيقتها صممت أن تعود للنقطة نفسها  التي استشهدت ميرفت بها وتريد ان تكمل من حيث انتهت مهمة الشهيدة ميرفت  .

10 _ عندما يُذكر أمامك اسم الشهيدة ميرفت ماذا يخطر لك؟ وبما تشعرين ؟

_ عندما يقع على مسمعي اسم “ميرفت” تعاودني ذاكرتي إلى ذلك الوجع الذي شعرت به عندما استشهد العديد من الفتيات والشبان بعد ميرفت وفي كل مرة كنت أسير في تشييع أحد الشهداء الأبرار  كنت أبكي دون أن أعي  وكأنني أبكي روح ميرفت .
ربما لأنها كانت صدمتي الأولى وكان صوتها يراودني في أحلامي كل يوم .
بكيناكي جميعاً ياميرفت ولكنك لم ولن تغادرينا  يومآ فذكراك باقية، بقيتي بيننا دائمآ وأبدآ وستبقين لنا القدوة في طريقنا نحو الشهادة أو النصر .

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Themetf
WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com