دور رأس المال الاجتماعي في النمو الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

327

خاص موقع نسويات عشتار – د. فتاة محمد صقر

يحتل رأس المال الاجتماعي مكانة هامة في الحياة الاجتماعية، فهو يساعد في بناء وتماسك المجتمع وتفعيل الأنشطة المجتمعية المتنوعة ، لأنه يعبر عن صور التنظيم الاجتماعي المتعددة .من خلال أبعاده المتمثلة في : العلاقات الاجتماعية ،الثقة ،علاقات العمل والصداقة ، التعاون ،المشاركة ، التطوع ،وكل ما يتعلق بالحياة الاجتماعية من الدعم الاجتماعي والتواصل الحكومي والمهارات السكانية والعناصر الديمغرافية ذات الصلة والوفرة في رأس المال الاجتماعي يساعد في نجاح الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ويساهم في تطور المجتمع ولكن الحرب والارهاب عاملان  يساهمان في امتصاص رأس المال الاجتماعي والتقليل من مولداته وذلك بالقضاء على مصادره.

مفهوم رأس المال الاجتماعي:

يمكن الإشارة إلى أن رأس المال الاجتماعي يتسم بذات صفة العلوم الاجتماعية وهي عدم توفر تعريف محدد له وتتنوع التعاريف بتنوع الأبحاث والدراسات. لكن أكثر التعاريف شيوعاَ تعريف جيمس كولمان  الذي يجد رأس المال الاجتماعي بأنه : يتألف من الالتزامات والتوقعات وقنوات المعلومات والمعايير والقرارات الفاعلة التي تتخذ أو تشجع أنواع محددة من السلوك التي توجد بالعلاقة بين الأفراد ، أي يكمن رأس المال الاجتماعي ما بين الأفراد ويتحقق نتيجة أنشطة غير مقصودة .

وهناك تعريف بوتنام الذي يجد رأس المال الاجتماعي بأنه : صور التنظيم الاجتماعي مثال شبكات العلاقات الاجتماعية ، الأعراف ، المؤسسات ، والثقة التي تسهل عمليات التنسيق والتعاون بين أفراد المجتمع بهدف تحقيق المنافع مما يساعد في الحصول على القوة المجتمعية من خلال تجميع الموارد المختلفة واستثمارها .

من وجهة نظر بيير بورديو فأنه يعرف رأس المال الاجتماعي بأنه مصدر واقعي وكامن للعمل الجماعي والذي تذوب فيه عضوية الفرد في الجماعة وتعتمد بشكل مباشر على الشبكات الاجتماعية ,أي هو إجمالي الموارد الفعلية التي يحوزها الفرد من خلال حيازته لشبكة دائمة من العلاقات المؤسسية أو عضوية الجماعات ,وأكد بورديو أن وجود شبكة من العلاقات هي نتاج لخطط الاستثمار الفردي أو الجماعي التي تهدف إلى إنتاج العلاقات الاجتماعية التي يمكن استخدامها مباشرة على المدى القصير أو الطويل في تحويل العلاقات العارضة غير المباشرة (علاقات الجيرة ، الزمالة ،العمل ) إلى علاقات تبدو مهمة ومباشرة وقوية ،وتضمن دوامها واستمرارها ، وتنمية المشاعر الداخلية فيها المرتبطة بالامتنان والاحترام والصداقة ، والثقة المتبادلة .

وهناك الكثير ممن تنالوا رأس المال الاجتماعي مثل هان فان ،جاكوبز،جين لوري ،سكلت ،فوكوياما ،نان لاين ،…….وغيرهم

ولكن في نهاية المطاف نلاحظ بأن هناك قاسم مشترك لمفهوم رأس المال الاجتماعي وهو:

–        عدد الأفراد داخل شبكة العلاقات الاجتماعية

–        قوة العلاقة التي تحدد مقدار رأس المال الاجتماعي

–        موارد الأفراد المتضمنة في شبكات العلاقات الاجتماعية والتي تقسم إلى السلع الرمزية(مثل الشهادات العلمية ) والموارد المتاحة ،والمواد الاجتماعية المتمثلة في الروابط والعلاقات الاجتماعية وهذه الموارد قابلة للاستثمار .

 أشكال رأس المال الاجتماعي :

1- المترابط : يعبر عن الروابط والعلاقات بين المجموعات المتجانسة والتي يكون منشأها العائلة أو الدين ، وهذه الروابط والعلاقات ودورها في تحقيق منافع الحصول على امتيازات وذلك في ظل الأوضاع المجتمعية المعقدة

2-  رأس المال الاجتماعي العابر :

يعبر عن هذا النمط من رأس المال الاجتماعي عن الروابط الاجتماعية بين الجماعات المختلفة سواء أكانت دينية أم اجتماعية أم عرفية ويعتمد هذا النوع من رأس المال الاجتماعي على الارتباطات الموضوعية التي تنشأ بين أفراد المجتمع ويمكن من خلالها تكوين شبكة من العلاقات الاجتماعية ومن نماذجه العلاقات التي تترتب على عضوية الأفراد داخل مؤسسات المجتمع المدني .

3- رأس المال الاجتماعي الرابط :

يشير إلى الروابط في نظام متدرج ويؤسس على اختلاف المركز الاجتماعي أو السلطة ، ومن أمثلة هذا النوع رأس المال الاجتماعي في علاقة بعض الجماعات بالدولة أو بالوكالات الأخرى .

تتنوع أشكال رأس المال الاجتماعي ، وتتمازج وذلك حسب درجة تقدم المجتمعات ،والشكل الثالث لرأس المال الاجتماعي هو المؤشر لدرجة تقدم البلدان .لذلك تستخدم الحروب مسمى الدين أداة لتفكيك مكونات المجتمع وتوفر تربة خصبة للتعامل على أساس الدين ولو كان منافى للطبيعة الانسانية لأنه يساهم في تآكل رأس المال الاجتماعي ويعيده من الارتباطات الموضوعية إلى المترابط في العائلة والدين وبالتالي يحد من وفرة رأس المال الاجتماعي في الرصيد الاجتماعي

ويمكن قياس رأس المال الاجتماعي في أي مجتمع ومعرفة دوره المساعد في النمو الاجتماعي والاقتصادي والسياسي .

ولكن هناك ندرة في الدراسات العربية التي تناولت قياس رأس المال الاجتماعي ويعود ذلك إلى عدم بروز هذا المفهوم في أدبيات العلوم الاجتماعية في العالم العربي ،على الرغم من الحاجة اليه لمعرفة عناصره والاستخدامات العملية له في ظل الظروف الحالية للحرب والنزوح والهجرة ، لأن وفرة رأس المال الاجتماعي أو تدهوره ينعكسان على نوعية الحياة وعلى درجات الثقة والتقاليد بين الأفراد والجماعات والمؤسسات العامة .

أما الدراسات الأجنبية فاتسمت بالتنوع وتتعدد بتعدد مجالات مشاركة رأس المال الاجتماعي في المجتمع ، حيث يمكن لرأس المال الاجتماعي المشاركة في كافة المجالات البيئية ، الاقتصادية والاجتماعية والصحية وغيرها من المجالات التي من شأنها دعم عملية التنمية المستدامة فهناك دراسة البنك الدولي لعام 2002 لرأس المال الاجتماعي في ألبانيا ونيجريا بأن مستوى الحياة العامة يختلف من ألبانيا إلى نيجريا لاختلاف الثقافة والقيم والتوجهات العامة وبالتالي الاختلاف في تقدير رأس المال الاجتماعي .

وأشارت دراسة لروبرت بوتنام 2006 بعنوان /كيف تنجح الديمقراطية / تقاليد المجتمع المدني في ايطاليا الحديثة،  وتوصل روبرت الى اثبات افتراضه بأن الوفرة في رأس المال الاجتماعي يلعب دوراَ كبيرا في نجاح الحياة السياسية ،بينما تآكل رأس المال الاجتماعي يقلل من النشاطات السياسية، وأشارت دراسة أخرى لروبرت بوتنام على المجتمع الأمريكي  في عام 2000 بأن أسباب تدهور رأس المال الاجتماعي والعجز الذي أصاب مجتمع أمريكا خلال العقود الماضية ( خمسين سنة ) سببه يعود :

-يمضي   الأمريكيون وقتا أطول في مشاهدة التلفاز داخل المنزل مما أدى إلى إضعاف المشاركة في المجتمع .

– الهروب  إلى الضواحي زاد من الانتقال بين مكان العمل والسكن واستهلاك وقتا كان من الممكن الاستفادة منهما في الأنشطة المدنية .

– فشل السياسات الاقتصادية والاجتماعية

-دخول النساء سوق العمل حد من مشاركتهن في الأنشطة المدنية .

لو أمعن المرء التفكير في المجتمع العربي السوري خاصة، وفي المجتمعات العربية الأخرى  في ظل الحرب الكونية التي ترتدي ثوب الربيع المفكك لمكونات المجتمع على الصعيد القومي ،وعلى الصعيد القطري الداخلي ،وعلى صعيد العائلة الواحدة وسلب علاقات التعاون والثقة ، هذا التفكيك  ساعد على تآكل رأس المال الاجتماعي على مستوى المجتمع المحلي وعلى مستوى الحكومات والمؤسسات العامة .

دور مؤسسات التنشئة الاجتماعية في توظيف رأس المال الاجتماعي .

الأسرة هي القاعدة العريضة والأداة الأولى  لتشكيل رأس المال الاجتماعي /من حيث العدد كقوة بشرية ومن حيث قوة العلاقات بين أفرادها وبين الآخرين  / وأنماط التنشئة الاجتماعية التي تتبعها الأسرة وأنماط السلوك التي تمنحها لأفرادها هي أساس العلاقات فالفرد يتشرب منها علاقات الحب أو الكره ، التعصب أو الانفتاح ، الحوار أو الصراع ، التعاون أو التفرق، الحقد أو التسامح  وعلى مؤسسات المجتمع الأخرى توظيف هذه العلاقات واستثمارها بما يتناسب مع الصالح العام للمجتمع والوطن.

ومؤسسات التعليم والنوادي الرياضية والدينية والنقابات والمنظمات تسهم في تقوية العلاقات الاجتماعية  التي تنتجها الأسرة وبالتالي تزيد من رصيد رأس المال الاجتماعي و وفرة الرصيد الاجتماعي  تساهم في التنمية الاجتماعية وفي دعم ثقافة التطوع التي تعد أرقى قيمة مجتمعية ويسهم الأعلام بكل وسائله  ( المقروء والمسموع وشبكات التواصل الاجتماعي ) في استثمار رأس المال الاجتماعي من خلال التشجيع على التعاون والمشاركة والاهتمام بالمجتمع المحلي والنوادي الرياضية والدينية والسياسة التي يشارك بها  المواطنين بالإضافة إلى الاهتمام بمؤشرات الدخل ومستوى الفقر والمشاركة السياسية والنقابية ومستوى العلاقات المهنية والعمالية ،ويمكن للأعلام أن يلعب دور سلبيا ما لم يكرس وسائله للاستثمار الايجابي في أوقات الحرب والكوارث والأزمات .

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Themetf
WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com