النازحة أم عدي … سورية تتحدى واقع الحرب

245

خاص نسويات عشتار – براءة أحمد الحمادي:

من بين الجراح تُولد الحياة ، ومن حطام الحجارة يُصنع المجد ، وبين المطالبة بالحياة وبلوغ المجد حتماً هناك من سيدفع الثمن ، سبع سنوات  من الحرب الكونية الإرهابية  مرّت على سورية ،عانى فيها  الويلات ،  و شتّى أنواع الظلم والقهر والتّشرد ، وخيّم الموت على حياة السّوريين ، وبين هروبٍ من الموت ، ونجاةٍ من ألسنة النّار ، ولجوء إلى مناطق لاتطالها قذائف الغدر والخيانة التي لاتميّز بين طفل أو امرأة أو رجل أو عجوز ،  خرج كثير من السّوريين من منازلهم مرغمين لملاقاة مصيرٍ مجهولٍ لايعلمون إلى متى سيستمر؟ ولا كيف سينتهي؟ حاملين معهم قصصا مشبعة بالألم ، مغمّسة بالدماء ، نسويات عشتار التقت بإحدى النازحات  التي فتحت قلبها،  وتحدّثت عن معاناتها منذ بداية الحرب:

“أم عدي” سيدة في ال32من العمر أم لطفلين (زينب و عدي)، وزوجة لجندي في الجيش العربي السّوري البطل  يدعى “ضياء”، تحرّكت مشاعر “أم عدي” وعادت بها الذاكرة إلى بداية الحرب الكونية الإرهابية على سورية ، حيث كانت تسكن هي وزوجها وعائلته في “جب الجندلي” في محافظة “حمص” لتنزح إلى “حي الزهراء” في المحافظة ذاتها هرباً من القذائف التي كانت تنزل على المنطقة كالمطر ، بيد أنّ الوضع في “حي الزهراء” لم يكن بالأفضل.
“ضياء” ترك زوجته ونزح للعمل في مدينة جبلة بمحافظة اللاذقية لتأمين مستلزمات العيش لعائلته وزوجته وطفلته المنتظرة.

“أم عدي” في أثناء ذهابها لتلقي علاج لها تعرضت لرصاصة قناص إرهابي اخترقت يدها اليسرى وخرجت منها مسببة انقطاع في الأوتار، وأُسعفت إلى مستشفى “الأهلي” في “حي الزهراء” الذي  يقديم العلاج للمصابين والجرحى مجاناً لتتعافى بعد شهرين من الإصابة بجلسات علاج فيزيائية.

رزقت أم عدي بطفلتها الأولى “زينب” وهي بعمر ال40 يوم كان يجب أن تأخد أوّل لقاح لها والذي كان مفقودا في المدينة ، وعلِمت “أم عدي” بوجود اللقاح في منطقة “وادي الذهب” ، وما كادت تأخذ الطفلة وتخرج من منزلها المكوّن من غرفة واحدة على سطح إحدى الأبنية في “حي الزهراء” ، حتى تعرف أن  قذائف الغدر قد استقرّت في المنزل الذي تقيم به ودمّرته كلياً بما فيه من أغراض وحاجيات ضرورية ،
“الحمدلله” هي الكلمة التي تلفّظت بها “أم عدي” ل نسويات عشتار بعدأن تنهدت وغاب صوتها خلف الغصات ، ويلح السؤال وماذا فعلتِ؟ أين ذهبتِ مع زينب ذات ال40يوم ؟
وتجيب أخبرت زوجي بما حصل ومكثتُ عند إحدى الجارات في “وادي الذهب” ريثما تمكّن “، ضياء” من تأمين منزل في مدينة “جبلة” ليطلب مني السفر إليه ، لأنّه لم يتمكن من دخول مدينة “حمص” لإخراجنا.

لاتزال تفاصيل تلك اللحظات عالقة في ذهنهابوضوح فالأسى لاينتسى  ، في عام 2015 تركت “أم عدي” محافظتها عبرت طريق حمص متجاوزة الدّمار الذي لحق بالأبنية ، قاطعة الحواجز الكثيرة ، لتصل الأم والطفلة إلى حضن الأب الدافئ بما عليهم من ملابس فقط إلى غرفة بأغراض بدائية ضرورية لا أكثر ، ليأتي بعدها طفلها الثاني  “عدي” في ظل ظروف صعبة.

وعندما تضيق بنا سُبل الحياة ، وتكثر الجدران السوداء أمامنا ، وتمتلأ أعيننا بالدموع ، ويتغلغل القهر في قلوبنا ، يكون البوح بالغصة إلى الأم أو الأب إن وجدا ، ولكن “أم عدي”التي كانت  حياتها سلسلة من الغصات والمواجع  بدأت بانفصال والديها  منذ زمنٍ بعيد ، لتربيها زوجة أبيها، و لتتزوج بعدها وتنتقل لمنزل “ضياء” دون أي تواصل يُذكر مع أهلها.

تتابع بحرقة لم يكن  النزوح هو أصعب مامررنا به ، فالمواقف التي مرّت بنا خلال الحرب ، وجعلتنا نصرخ من أعماقنا بوجه من يحاول العبث ، ويتصيّد الثغرات ، ويردد الشعارات الدينية المبطنة بالأعمال الدنيئة والقذرة ، فقد سعت المجموعات الإرهابية المسلحة في مدينة”حمص” (حي الزهراء) تحديداً  لتجنيد سائقي التكسي في المنطقة لخطف المدنيين وطلب فدية لتكون الضحية الشّاب “بشار ” من أفراد عائلة الزوج “ضياء” وهو طالب في الجامعة في حمص وحيد لأمه وأبيه ، الذي اختطف من أمام الجامعة،  وتواصلت المجموعات المسلحة مع والده لطلب “فدية” ثمّ انقطع الاتصال معهم ، ومصيره مجهول منذ 5سنوات وحتى اللحظة ، وكانت نتائج هذه الفاجعة وفاة الأب ب”أزمة قلبية” وكذلك الأم التي أُصيب بأزمة قلبية ، وهي الأخرى تصارع الموت حزناً على ولدها الوحيد .

“بشار ” لم يكن المخطوف الوحيد في العائلة ، بل هناك  طالبة جامعية تدرس في قسم  التاريخ أيضاً خُطفت بالطريقة نفسها،  وأُخِذت إلى “حي الوعر” من قبل سائق تكسي سلّمها للمسلحين الذين طلبوا من أهلها “فدية” ، التحق والد الفتاة في صفوف الجيش العربي السوري لتكون ردة فعل المسلحين إرسال الفتاة إلى أهلها جثّةً هامدة منكّلا بها.

هذه الآلام التي اجتاحت عائلة “أم عدي” وصلتنا من خلال غصاتها المتكررة أثناء حديثها معنا ، وارتجاف شفتيها أثناء استرجاع الذكريات المريرة، وهي مشاهد تتكرر  في كل بيت سوري يقطن في المناطق التي كانت بحوذة المجموعات الإرهابية المسلّحة .

“أم عدي” وطفليها وزوجها” التي لما تتأقلم حتى الآن مع الحياة التي انتقلت إليها بعيدا عن مدينتها أكدت أنها لما تتلقى شيئا يذكر من   المساعدات الإنسانية التي تكفّلت بها المنظمات والجمعيات الخيرية المختلفة  حيث قصت  لنسويات عشتار :”قصدت جمعيات عدّة بغية الحصول على إعانة ، وقمت بالإجراءات المطلوبة ، وحصلت على بطاقة ورقم خاص ، ولكن في كل مرّة أراجع فيها الجمعية أو الكنيسة يكون الرّد : لم تأتِ الموافقة بَعد ، والأولوية الآن لعائلات حلب والرّقة” وبقي السؤال عالقا في فمها وفي أذهاننا ، وماذا عن النازحين من بقيّة المحافظات؟؟!

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Themetf
WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com