“العنوسة”.. بين مرارة الكلمة .. وتحكم الواقع .. فتاة تنتظر .. وشاب يسعى.

210

خاص نسويات عشتار
:  تحقيق براءة احمد الحمادي:

إنها الحياة في مجتمعنا ، تفرض علينا أفكارها ومصطلحاتها ، لنتبناها في مختلف مجالات حياتنا ، قد تكون ظالمة أومهينة في بعض الأحيان ، ولكننا لانستطيع الخروج من بوتقتها.
“عانس” الكلمة التي تبعث الرهبة في قلوب الفتيات ، وتلتصق بهن ما إن تجاوزن سن الزواج ، هكذا فرض المجتمع عليهن متناسياً الأسباب الكثيرة التي آلت دون زواجهن.

في سنوات الحرب الإرهابية على سورية ، ارتفعت نسبة الفتيات مقابل تدني نسبة الذكور ، وبقي الكثير من الفتيات دون زواج ، وكذلك الشبان لأسباب عدّة.

احصائيات مرتفعة:

بحسب آخر احصائية في العام2017 ، سجلت فلسطين أقل معدلات العنوسة في الوطن العربي بلغت7%،
وجاءت البحرين في المركز الثاني بنسبة25%،
اليمن30%،
الكويت وقطر وليبيا 35%،
مصر والمغرب40%،
السعودية والأردن45%،
الجزائر51%،
تونس65%،
العراق وسوريا70%،
الامارات 75% ، بينما سجلت لبنان أعلى نسبة في الوطن العربي وصلت إلى 85% .

ففي سورية ، صرّح القاضي الشرعي الأول في دمشق “محمود المعراوي” أن أعداد الإناث تزايد خلال السنوات الخمس الأخيرة بنسبة تجاوزت ال65% ، وتقدر نسبة العنوسة في سورية ب70% وهي من النسب المرتفعة في العالم العربي ، وقد تباينت الأسباب بين تدخل الأهل ، الفقر وارتفاع نسبة البطالة ، عدم الاستقرار الاقتصادي ، غلاء المهور ، الهجرة ، والتجنيد.

أهلي أصحاب القرار:

“سعاد” 45عاماً ، أخبرت نسويات عشتار أنه تقدم لها الكثير من الشباب عندما كانت في سن العشرين ، وقابل والدها كل عروض الزواج بالرفض ، “لأن جدتي (والدة أبي) وعمتي ، تقطنان معنا في المنزل وأنا وأختي كان ينبغي علينا مساعدة والدتنا في رعايتهما ، لم يكترث والدي للمصير الذي رسمه لنا ، كان يرفض باستمرار دون أن يسألنا ، وهكذا فاتنا القطار وبقينا في المنزل بعد وفاة جدتي وعمتي وأبي وأمي وحيدتين يرعانا أخي الكبير ، لانملك شهادة ولاعمل ، ولكن ما يريحنا أننا اتممنا واجبنا تجاه والدينا” ، وتتابع “نحتاج إلى سند ، ولكن ليس باليد حيلة ، والحمدلله على كل حال” هكذا اختتمت سعاد حديثها والغصة ترافقها.

طموح الفتاة :

بعيداً عن تدخل الأهل واتخاذ القرار ، بعض الفتيات كانت لهن حرية الاختيار ، لتسلكن طريق العلم واتمام الدراسة بطموح كبير.
“زينة” 30عاماً تقول إنها لاترغب بالزواج إلا بعد أن تستقل فكرياً ومادياً ، ” أكملت دراستي الجامعية وتخرجت ، وحصلت على وظيفة براتب جيد ، ولم أفكر يوماً أنني أصبحت “عانس” ولن أفكر”.
“زينة” ترفض فكرة أن تقع تحت رحمة رجل وطموحها بالعلم والعمل دفعها إلى رفض الزواج ، وأخبر نسويات عشتار  أنها ليست نادمة وستتزوج فقط لإنجاب طفل مصرّحة لنسويات عشتار وهي تضحك “سأتأهّل قريباً والحمدلله لن أبقَ عانسا وسيرتاح قلب أمي”.

الوفاء للحبيب الأوّل:

حين يبتعد الأهل عن اتخاذ القرار ، ويتنحّى طموح الفتاة ، يستقر الحب في القلب معلناً بناء قلعة صامدة تدعى الوفاء.
“سارة” أخبرت نسويات عشتار أن عمتها تبلغ من العمر 41عاماً ولم تتزوج بعد ، وكان الفضول يقتلها على حد قولها لتعرف ما السبب ، “(نصيب) كان تردد عمتي إلى أن استسلمت ذات يوم لفضولي وأخبرتني “كنت أحب شاب حباً كبيراً ومات في حادث سير ، ومنذ ذلك الوقت قطعت عهداً على نفسي ألا أتزوج غيره ، وأغلقت قلبي عن سواه”.
عمّة سارة أعلنت الوفاء للحبيب الذي مات بسبب القدر ، أما “بثينة” 37 عاماً فذكرت لنسويات عشتار أنّ وفاءها لمن أحبت سيبقى مدى الحياة ، وسبب عدم زواجها به هو رفض أهلها المتكرر له بحجج اسمتها بالواهية وغير المنطقية بالرغم من زواجه من غيرها.

الدين والأهل حالا دون الزواج:

كذلك يفرض علينا الأهل مصطلحات ومعتقدات علينا الالتزام بها شئنا أم أبينا.
أفكار المجتمع البالية كما وصفها البعض قبلنا بها ، ولكن هل الدين يفرض نفسه على حياتنا لهذه الدرجة ، سأل البعض الآخر؟؟.
“ب.أ” قالت لنسويات عشتار بحسرة “أحبه ويحبني ، واقترح علي مراراً التخلي عن أهلي والذهاب معه ، لكن لاأستطيع ، حاولنا جاهدين إقناع أهلنا وقوبلنا بالرفض القاطع بسبب اختلاف ديننا ، هو استسلم ولكن لن يتزوج غيري ، وأنا قطعت عهد ا على نفسي بذلك ، لازلت أعيش في قوقعة حبه وأعلم أنه لا يزال يحبني ، وأرى ذلك في عينيه عندما أراه مصادفةً ، وننتظر تحرر أفكار أهلنا لنتابع حياتنا معاً”.

العنوسة ليست حكراً على الفتاة:

من قال بأن “عانس” كلمة تطلق على الفتاة فقط ، بغض النظر عن تحفظ المجتمع وجعلها حكراً على الفتاة ، وتأدبه تجاه الرجل حيث تسمى عنوسة الرجل “تأخر زواج” ، وهذا التأخر نراه بكثرة في الآونة الأخيرة.
تردي الوضع الاقتصادي ، والطلبات التعجيزية على حد وصف “فجر ” 28عاماً ، حيث أكد لنسويات عشتار أنه أحب فتاة وقرر خطبتها ولكن وضعه المادي المحدود ومتطلبات أهلها التعجيزية(منزل ، ذهب ، لباس ، معجل ومؤجل) لم يستطع الاستمرار وسافر خارج البلد لتأمين ظروف حياة أفضل علّ أهلها يقبلون به بعد أن يصبح غنياً ، مؤكداً أن حبيبته لاذنب لها وتنتظره وماهي إلا سنوات وسيعود للزواج بها ويتابع متهكماً “أخشى ما أخشاه أن ترتفع نسبة الطلبات مع تقدم الحياة ويضحك بحسرة” ، “فجر” أخبر نسويات عشتار أن أخويه الأصغر منه تزوجا ورزقا بأطفال ، ولكن هو لن يتخلى عن فتاة أحلامه.

فتاة أربيها على يدي:

هذا المصطلح الذي كثر في الآونة الأخيرة هو من أبرز أسباب العنوسة ، وهذه الجملة نطقها الشاب وأمه معاً.
“أحمد”ووالدته يريدان فتاة صغيرة لاتتجاوز ال13عاماً ليريبها على يديه ، ولكن أمه لماذا تريدها صغيرة لهذا الحد؟!.
هذا الفكر جعل من الفتاة الصغيرة ربة منزل وأم في الوقت الذي ينبغي لها أن تكون بين ألعابها وفي مدرستها ، وجعل من الفتاة المقبلة على الزواج من اللواتي شملهن مصطلح”عانس”.

زوجة أوروبية:

على خلاف “أحمد” ووالدته ، “أم محمد” تعاني من رفض أخيها “خالد” ذو ال32عاماً والمستقر خارج الوطن، الزواج من شابة سورية سواء أكانت مقيمة في سورية أم أوروبا ، ناسباً رفضه إلى متطلبات أهل الشابة الخيالية عند علمهم بأن الشاب المتقدم لها مغترب ، متناسين أنه يعاني الويلات ليجمع المال الذي سيطلبونه لابنتهم ، مؤكداً أن الكثير من أصدقائه تزوجوا من أوروبيات وسعداء “إقامة ، جنسية مضمونة ، لاغلاء في المهور ، ولا تكاليف ولاحفلات ومظاهر كما في بلده”.
أخو خالد الذي يكبره ب5سنوات فلم يتزوج حتى الآن ، ولكنه يتعارض مع أفكار أخيه فمشكلته ليست المتطلبات وغلاء المهور ، ولكنه يخشى أن يكون سبب قبول الفتاة به هو وصولها إلى أوروبا فقط لتتركه حال قدومها ، وهو الأمر الذي انتشر بكثرة مؤخراً.

معتقدات متخلفة:

في هذه الأيام ومع تطور الحياة والمجتمعات والأشخاص لم يعد هناك تفكير متحجر بأن الزوجة هي سبب الإفلاس ، ومتطلباتها الزائدة ستنقص نقود الرجل ، بيد أن هذا الفكر كان موجوداً عند “عم علاء” البالغ من العمر45عاماً حيث صرّح علاء لنسويات عشتار وهو يضحك أن عمه لديه نقود تكفيه وتزيد عنه ولكنه يرفض الزواج لأن المرأة على حسب زعمه هي السبب الأساسي في إفلاسه وأنه لم يقض عمره يجني المال لتأتي في النهاية امرأة وتسرف المال على المكياج والحلي والرحلات ، ففضل البقاء وحيداً ، وأكد علاء أن نقود عمه مطمورة في الأرض وينام في منزل تأبى العناكب والجرذان النوم به.

التجنيد وخدمة الوطن:

الوطن كان الهم الأول والأخير في نفوس الشباب السوري ، الحرب والدفاع عن الأرض والعرض هو الطريق الذي سلكه الجندي العربي السوري ، متخلياً عن معظم أحلامه بتأسيس أسرة وإنجاب أطفال.
“علاء” 24عاماً ، جندي في الجيش العربي السوري ، بعد أن سخر من بخل وأفكار عمه وعزوفه عن الزواج قال لنسويات عشتار أنه يتمنى الزواج ممن يحب ، ولو كان يملك نقوداً بمقدار ربع ما يملك عمه لتزوج على الفور مؤكداّ : “أحبها وتحبني ولكن الظروف الاقتصادية محدودة نوعاً ما” ، وأعتذر من حبه الذي وصفه بالخالد في قلبه قائلاً لها :”معذرة فأنا لا أملك سوى حياة واحدة ونذرتها ليحيا وطني بسلام”.

آثار العنوسة على الفتاة والأسرة والمجتمع:

تعاني الفتاة “العانس” العديد من الآلام النفسية فتشعر بالحزن والاكتئاب والنفور من الناس خشية التلميح الجارح ، وتؤثر هذه الكلمة عليها بشكل سلبي بحت باعتبارها انتقاص لقيمة المرأة ، حسب ماأكد مستشارون نفسيون ، كما تشعر بالوحدة والانطواء وفقدان الأمان ، وتعاني الفتاة “العانس” القلق من المستقبل ، وانخفاض تقدير الذات ، وتزايد الأفكار السلبية.
أما آثار العنوسة على الأهل والمجتمع الذين يعتبرون الضاغط النفسي الأول على الفتاة ، فيشعر أفراد الأسرة التي فيها فتاة “عانس” بالهم والغم بل يصل الشعور إلى درجة الخزي والعار في بعض المجتمعات من نظرات الناس للأهل وبناتهم وإلقاء اللوم عليهم مما يؤثر بصورة سلبية على العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع.

حل للمشكلة:
“المعراوي” كشف عن حل هو تسهيل الزواج الثاني للقضاء على هذه الظاهرة بشرط ألا يؤثر الزواج الثاني في حقوق الزوجة الأولى أو يؤدي إلى طلاقها وتشريد الأولاد ، وقد أثار هذا الحل موجات غضب في الشارع السوري حيث شعرت النساء بنقص الرجال في المجتمع ، وأحسسن بأن هذا النقص بات يهدد منازلهن الآمنة ، وخشين من أن تتقاسم نساء أخريات أزواجهن ، فهذا الحل ربما توافق عليه بعضهن ولكن مؤكد  أنه لايلقى ترحيبا من قبل  الزوجات أو حتى الفتيات العازبات.

في كتاب “العنوسة مساحة أنثوية” تحقيق “كارين صادر” ، تحدثت عن آثار العنوسة الإيجابية والسلبية ، داعية الفتيات ألا يجعلهن الهروب من كلمة “عانس” يتخبطن في شرك زواج سيحكم عليه بالفشل ، فقد يدفع تأثير هذه الكلمة على الفتاة الهروب من هذا الوصف بالزواج المبكر غير المدروس ، أو القبول بزواج غير متكافئ في حال التقدم في العمر باعتباره خيار وحيد أمامها ، أو ربما تختاره مرغمة لإرضاء أسرتها لتدفع عنهم التبعات النفسية والاجتماعية والاقتصادية المترتبة على عنوستها.

ولاننسى أن وراء كلمة “عانس” ألف قصة آلت إليها ، حتماً لا الفتاة ولا أهلها سعداء بها ، فمهمة المرأة الأولى التي فرضهتا عليها الحياة هي أن تكون اللبنة الأولى في أسرة متماسكة وقوية ، ودورها الأول يتمحور حول الزواج وتشكيل عائلة واستمرار الحياة ، ويشكل عامل استقرار نفسي لها وعائلتها وللمجتمع.

وإذا عدنا إلى أقوال وحكم الجدات ، حيث تقول جداتنا “خود الشب والرزق ع الرب” ،
وهذا القول يدعو الأهل إلى تقديم تسهيلات الزواج للشبان والفتيات الذي يؤدي إلى زواج متكافئ ، واستقرار أسري ، بدل انتشار العنوسة أو العلاقات غير الأخلاقية ، فبعيداً عن الثروة والمال يبقى للفتاة المحبة والاحترام من قبل شريك حياتها أماناً لها.

وفي النهاية بقاء الشاب أو الفتاة بلا زواج لايفقدهما أياً من القيمة الإنسانية أو الاجتماعية وإن كان لايكمل دورهما الاجتماعي ، ولاينبغي أن ينظر للمرأة نظر دونية ، لأنها حتماً لم تختر قدرها ، وهي فعلاً بحاجة لوجود رجل تشعر إلى جانبه بالاكتمال ، يشاطرها الحياة في حلوها ومرها ، ويتعاونان معاً لتجاوز صعوبات الحياة وبناء أسرة متماسكة مستقرة ، لأن استقرار الأسرة هو استقرار للمجتمع بأكمله ، وإن فُرِض عليها قدر معين ؛ فستبقى المساهم الأول والأساسي في بناء المجتمع بغض النظر عن حالاتها الاجتماعية أمتزوجة كانت أم مطلقة أم أرملة أم عانس كما يقول المجتمع.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Themetf
WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com