الأمومة والطفولة في قانون الأحوال الشخصية السوري

152

 

 خاص نسويات عشتار _ الباحثة إيمان أحمد ونوس: 

القوانين المعمول بها في أيّ بلد مرآة لحياة المجتمع، واستناداً إلى تطوره الثقافي والاجتماعي والسياسي، لذا تعمل الحكومات والسلطات التشريعية على تعديل تلك القوانين بما يتوافق مع تلك التطورات.

وعلى اعتبار أن الأسرة هي الخلية الأساسية في كل المجتمعات الإنسانية، فقد استأثرت باهتمام علماء الاجتماع والسياسة، إضافة إلى اهتمام الحكومات والدول على مرّ التاريخ.

ففي سوريا جاء القانون رقم /42/ لعام/2003/ القاضي بإحداث الهيئة السورية لشؤون الأسرة مواكباً للتغيّرات الحاصلة في بنية هذه الأسرة، حيث تهدف وحسب المادة/2/ من هذا القانون إلى تسريع عملية النهوض بواقع الأسرة السورية، ‏وتمكينها بشكل أفضل من أجل الإسهام في جهود التنمية البشرية. إضافة إلى أن الفقرة/هـ / من ذات المادة تنص على اقتراح تعديل التشريعات المتعلقة بشؤون الأسرة.

وقد كان لهذا القانون صداه الإيجابي لدى الناشطات/ ين في قضايا المرأة والطفل والمجتمع، وكانت الآمال كبيرة بإحداث تغييرات حقيقية في مجال قانون الأحوال الشخصية والقوانين الأخرى المتعلّقة بالمرأة والطفل، تغييرات تتواءم مع الدستور والاتفاقيات والمعاهدات الدولية ذات الصلة والتي صادقت عليها سورية.

لكن، وفي عام/2009/ كانت الدهشة وخيبة الأمل لأولئك الذين كانوا يترقبون تلك التغييرات والتعديلات، والذين عملوا طويلاً لأجل صياغتها بشكل يتلاءم وتطور المجتمع السوري بكافة أطيافه، وذلك لظهور مسودتي مشروع قانون أحوال شخصية جديد يُرسّخ كل أسباب التمييز والعنف بأشكاله المختلفة ضدّ طرفي الحلقة الأضعف(المرأة والطفل)

وتحت ضغط الناشطات/ ين والهيئات والجمعيات النسائية تمّ إيقاف العمل بهاتين المسودتين، لأنه من غير المعقول بقاء خضوع الأسرة السورية إلى قوانين سُنَّت في زمن قدري باشا- مطلع القرن/19/ ونحن نعيش في القرن الحادي والعشرين الذي يشهد تطوراً ملحوظاً على كل مكوّنات الأسرة( الطفل، المرأة، والرجل) وعلى العلاقة المتبادلة بينهم وفق تطور المفاهيم والقيم الإنسانية والاجتماعية القائمة على أساس المواطنة والعلمانية.

ومن هنا، فإن العمل على تعديل وتغيير هذه القوانين ومن ضمنها قانون الأحوال الشخصية ضروري وواجب تقتضيه مصلحة المجتمع.

وهنا سأستعرض بعض مواد قانون الأحوال الشخصية السوري المتعلقة بالأمومة والطفولة والحضانة، لنر إلى أيّ حدّ يجري انتهاك هاتين الحالتين..!!

المواد المتعلقة بالطفل:

في مجال زواج وطلاق الأطفال:

المادة (16)
تكمل أهلية الزواج في الفتى بتمام الثامنة عشرة وفي الفتاة بتمام السابعة عشر من العمر.

المادة (18/1)
1- إذا ادّعى المراهق البلوغ بعد إكماله الخامسة عشرة أو المراهقة بعد إكمالها الثالثة عشرة وطلبا الزواج يأذن به القاضي إذا تبيّن له صدق دعواهما واحتمال جسميهما.

يتبيّن من هذه المواد تناقضها الواضح مع المادة/162/ من ذات القانون والتي تقول: القاصر هو من لم يبلغ سن الرشد وهي ثماني عشرة سنة كاملة.

وكذلك مع المادة الأولى من اتفاقية حقوق الطفل والتي تنص على:

يعني الطفل كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة، ما لم يبلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون المنطبق عليه.

واضح من مواد قانون الأحوال الشخصية أعلاه تشجيعها على زواج الأطفال الذين هم بأمسّ الحاجة في هذه المرحلة الحسّاسة من العمر للرعاية الأسرية على كافة المستويات الصحية والنفسية وتنمية المدارك والمعارف التي تحتاجها شخصية الطفل، فكيف لطفل/ قاصر(أنثى وذكر) لم يكمل الثامنة عشر من عمره أن يتحمّل جسده أعباء الزواج ومتغيراته النفسية والعاطفية، في حين أن التكوين الجسدي والنفسي والعاطفي لا يكتمل قبل العشرين من العمر على أقلّ تقدير، وهذا يُسيء إلى النمو الطبيعي للطفل/ الزوج من جهة، وللطفل الذي سيُنجبه لاحقاً، كما أنه يُشجّع على التسرّب المدرسي، و ارتفاع نسب الأمية والجهل والطلاق وتردي صحة الأطفال والنساء في المجتمع.

ناهيك بالعجز عن تأمين مستلزمات واحتياجات الأسرة المعيشية التي ستكون حتماً في الحدود الدنيا، و تكرار الحالة وبقاء المجتمع رهينة عقلية مقيّدة إلى أعراف وتشريعات مفروضة لا تتوافق والعصر الراهن.

المادة (20)
الكبيرة التي أتمّت السابعة عشرة إذا أرادت الزواج يطلب القاضي من وليّها بيان رأيه خلال مدة يحددها له، فإذا لم يعترض أو كان اعتراضه غير جدير بالاعتبار يأذن القاضي بزواجهما بشرط الكفاءة.

أيّة كبيرة هذه وعمرها لا يتجاوز السابعة عشرة..؟ باعتقادي في هذه المادة تناقض لجهة مبدأ الولاية العائدة للأب حسب القانون ذاته، فكيف لها أن تتفق مع رأي القاضي برفض اعتراض الأب/ الولي ويأذن لها بالزواج دون موافقة الولي شرط الكفاءة، كما أنها تتناقض مع تحديد عمر القاصر في المادة/162/ و لا يمكن لهذه الطفلة أن تُدرك معنى الكفاءة وهي ما زالت تحبو في طريق تكوين مفاهيمها ومداركها.

المادة (85) 
1- يكون الرجل متمتعاً بالأهلية الكاملة للطلاق في تمام الثامنة عشرة من عمره.
2- يجوز للقاضي أن يأذن بالتطليق، أو يُجيز الطلاق الواقع من البالغ المتزوج قبل الثامنة عشرة إذا وجدت المصلحة في ذلك.

هذه المادة تعجُّ بالتناقض ما بين كلمة رجل في الفقرة الأولى، واعتبار هذا الرجل قاصراً في المادة/162/ من ذات القانون، ثمّ كيف نُجيز لطفل أتمّ الثامنة عشر أن يكون أهلاً للطلاق أو الإيقاع به وهو ما زال في مرحلة عدم النضج والقدرة على اتخاذ القرارات السليمة والصائبة لاسيما بخصوص تقرير مصير أفراد آخرين كالزوجة والأطفال.؟ ثمّ، ألا يُعتبر هذا تساهلاً بحق المؤسسة الزوجية حينما تتمُّ الموافقة على زواج الأطفال من جهة، ومن جهة أخرى السماح لأولئك الأطفال بالطلاق في حين أنهم لم يتمكنوا بعد من الإحساس بالمسؤولية..؟

في مجال النسب:

المادة(129)
1- ولد كل زوجة في النكاح الصحيح يُنسب إلى زوجها بالشرطين التاليين :
أ – أن يمضي على عقد الزواج أقلّ مدة الحمل.
ب – أن لا يثبت عدم التلاقي بين الزوجين بصورة محسوسة كما لو كان أحد الزوجين سجيناً أو غائباً في بلد بعيد أكثر من مدة الحمل.
2-إذا انتفى أحد هذين الشرطين لا يثبت نسب الولد من الزوج إلاّ إذا أقرّ به أو ادّعاه.
3- إذا توافر هذان الشرطان لا ينفى نسب المولود عن الزوج إلاّ باللعان.

إن مسألة النسب من المسائل الأساسية في حياة كل إنسان، وهذا ما تُقرُّ به المادة(7) من اتفاقية حقوق الطفل في:
1- يُسجّل الطفل بعد ولادته فوراً ويكون له الحق منذ ولادته في اسم والحق في اكتساب جنسية، ويكون له قدر الإمكان، الحق في معرفة والديه وتلقى رعايتهما.
2- تكفل الدول الأطراف إعمال هذه الحقوق وفقاً لقانونها الوطني والتزاماتها بموجب الصكوك الدولية المتصلة بهذا الميدان، ولاسيما حيثما يُعتبر الطفل عديم الجنسية في حال عدم القيام بذلك.

إن طرق تحديد هذا النسب إن كان يُشكُّ به متوفرة بأساليب علمية تنفي وتقطع كل شك بحيث لم يعد هناك من داعٍ لكل هذه المواد المذكورة أعلاه في قانون الأحوال الشخصية، إذ يمكن ذلك عن طريق تحليل الحمض النووي/DNA/ بدل اللجوء إلى اللعان المذكور بالقانون، وهي طريقة متخلّفة فيها إهانة للطفل أولاً، ومن ثمّ للأبوين معاً، وهذا ما يؤثّر على نفسية الطفل وثقته بنفسه وانتمائه إن كان على علم بالموضوع، مما يُفقده الشعور بالأمان والحماية والانتماء. إضافة إلى أن المشرّع السوري أعطى هذا الحق للطوائف الأرثوذكسية بالمرسوم رقم /7/ للعام /2011/ فلماذا لا يكون هذا المبدأ عاماً في حياة السوريين دون تمييز..؟

في مجال الحضانة:

المادة (137)
يُشترط لأهلية الحضانة البلوغ والعقل والقدرة على صيانة الولد صحة وخلقاً.

كيف يستقيم شرط الأهلية في هذه المادة مع زواج الأطفال المُقرّ في قانون الأحوال الشخصية، إذ غالباً ما نجد طلاقاً لزوجين لم يُكملا الثامنة عشر ولديهما طفل.
المادة (138)
زواج الحاضنة بغير قريب محرم من المحضون يُسقِط حضانتها.

تتضمن هذه المادة تمييزاً واضحاً ضدّ الأم من جهة، وضدّ الطفل من جهة أخرى، فكيف تُحرم الأم من الحضانة إذا تزوجت، بينما لا يُحرم الأب منها إذا تزوج.؟ هل ستكون زوجة الأب أقدر على رعايته وتربيته من أمه التي سيكون بأمس الحاجة لوجوده معها(لاسيما في عمر صغير) أكثر من أيّ شخص آخر وبضمنهم الأب في بعض الحالات.

المادة (143)
لا تستحق الأم أجرة للحضانة في حال قيام الزوجية أو في عدة الطلاق.

في هذه المادة تناقض مع الواقع الحي للأسرة والأمومة من جهة، وعنف مادي ضدّ المرأة والطفل في حالة الطلاق، فهل رأينا يوماً أن هناك أمّاً تتقاضى أجرة حضانتها لأطفالها في حال قيام الزوجية..؟ أليس في هذه المادة انتقاصاً من كرامة المرأة وأمومتها حينما نخضعها للعامل المادي البحت..؟ ثمّ وفي حال الطلاق ومبدأ العدّة الشرعي الذي يقضي بمدة تتجاوز الأربعة أشهر، كيف لهذه الأم أن تُعيل أطفالها طيلة هذه المدة إن كانت بلا عمل، وكيف سيكون وضع الطفل المعاشي والصحي..؟ إن في هذا تناقضاً مع اتفاقية حقوق الطفل التي تقول بواجب تأمين مستلزمات حياة الطفل على والديه، ومن ثمّ على الحكومة.
المادة (144)
إذا كان المكلف بأجرة الحضانة معسراً عاجزاً عنها وتبرع بحضانة الصغير أحد محارمه خُيّرت الحاضنة بين إمساكه بلا أجرة وتسليمه لمن تبرع.

هنا، نجد أن الطفل ما هو إلاّ سلعة يتمّ التعامل معها دون الإحساس بإنسانيته أو كرامته، كما أن الحضانة هنا ما هي إلاّ تجارة خالية من الدوافع الإنسانية تجاه هذا الطفل، وفي ذلك كل الإهانة للطفل لأن الرعاية الأبوية واجبة في حال قيام الزوجية أو انحلالها، ولا مجال للمساومة تلك.
المادة (146)
تنتهي مدّة الحضانة بإكمال الغلام التاسعة من عمره والبنت الحادية عشرة.

طبعاً تمّ تعديل سن الحضانة في العام 2003 وصار للولد بتمام الثانية عشر والفتاة بتمام الخامسة عشر. ولكن مع ترحيبنا الكبير حين ذاك بهذا التعديل، إلاّ أن الأطفال في هذه السن ما زالوا بحاجة للرعاية النفسية في تلك المرحلة الحرجة- المراهقة- لاسيما من قبل الأم، فكيف نقتلع طفل/ـة من حضن أمهما في هذه المرحلة الحسّاسة، ألا يقتضي هذا الوضع سنّ تشريعات تتوافق وهذه المرحلة من عمر الطفولة..؟

إن كل ما ذكرنا يقتضي ضرورة إخراج مشروع قانون الطفل الذي وضعته الهيئة السورية لشؤون الأسرة بإشراف مختصين في كافة المجالات، على اعتبار أن المسائل المتعلّقة بالطفل السوري متناثرة في عدد من المواد في القوانين الحالية، هذا القانون الذي ما زال حبيس الأدراج الصدئة والذهنية المقيّدة إلى تشريعات وقوانين عفا عليها الزمن، ولم تعد تتوافق وروح العصر وتأثيراته على جميع الأفراد وبضمنهم الأطفال.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Themetf
WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com