الأدباء بين زمن التنوير.. والحاضر المؤلم

49

خاص نسويات عشتار _ الباحث : سردار سنجاري 

ظاهرة التنوير التي انبثقت من أوروبا الغربية بعد ثلاث مراحل أساسية مرت فيها أوروبا في الفكر الأوروبي وكانت إيطاليا آنذاك تتصدر هذه الظاهرة و الفكر وتبنته هولندا وانكلترا فيما بعد حتى تم تعميمه على كافة الدول الغربية الأوروبية . وسمي العصر الأخير بعصر التنوير حيث سبقته العصور الوسطى التي كانت تعتبر عصور الظلام في أوروبا وقامت من أجله ثورات فكرية متعددة سميت بثورات النهضة الفكرية وسمي العصر آنذاك بهذا المسمى ( عصر النهضة ) .

اليوم أوروبا دخلت مراحل متقدمة من تعزيز الفكر الإنساني الذي هو نتاج تقدمها في الفكر الثقافي والأدبي ، لأن الإنسانية مهما كانت مفرداتها متواجدة في التعاليم الاجتماعية والدينية وغيرها إلا أنها تفقد معانيها الحقيقية في الممارسة الفعلية إذا لم ترافقها المبادئ الثقافية والفكرية لتطويرها وديمومتها كما هو حاصل اليوم في الغرب .

إن مجتمعاتنا الشرق أوسطية عموما ومنها المجتمعات الأفريقية المتقاربة بالفكر والعادات والدين من المجتمعات الشرق أوسطية تعاني أزمة الثقافة في مجملها ، في الوقت التي نرى فيه العديد من الأدباء والشعراء والمفكرين والباحثين من مختلف المكونات العرقية والدينية الذين لديهم الإمكانيات الكبيرة والمميزة والتي تعتبر في العديد منها كفيلة بالالتحاق بمركبة عصر التنوير الذي تسير فيه أوروبا اليوم .

إذا ماهي الحلول التي يجب أن نقف عليها كمثقفين وأدباء وفنانين وأكاديمين وباحثين في البحث عن مخارج من هذه الحالة المظلمة للفكر الأدبي والثقافي التي نعيشها في مجتمعاتنا اليوم ؟

لو عدنا إلى أوروبا ومراحلها التي يمكننا الاستفادة من تجربتها لأنها أثبتت نجاحها على كافة الأصعدة فإننا سنرى كيف حصلت القطيعة الكبرى في تاريخ الفكر ، ومعها الاستقلالية الكاملة للعقل بالقياس إلى النقل ، وبالفلسفة بالقياس إلى الدين ، ومن هم هولاء الفلاسفة والمفكرين الذين كانوا أبطال هذا التحول وكيف كانت سيرتهم ، وكيف تم الانتقال من الفهم القروسطي أو حتى الظلامي للدين إلى الفهم العقلاني للدين نفسه .

إن تهميش دور الأدباء والمفكرين في يومنا هذا لم يأتي عبثا حيث أننا كنّا في الثلاثينيات حتى نهاية القرن الماضي نسير في طريق بناء الفكر الثقافي للإنسان لولا الأحداث المؤسفة التي وقعت في المنطقة من عدم الاستقرار السياسي وتدخلات خارجية قادت المنطقة إلى اعتماد فكر وثقافة واحدة وهي فكر الأخ الأكبر اَي فكر القوي في العديد من الدول العربية والشرق اوسطية ، مما جعل ثقافة الشعوب تختصر من عدة ثقافات متنوعة كان لها أن تكون فسيفساء الثقافات العالمية بغناها الحضاري والتاريخي وتنتقل من حالة الركود الفكري إلى حالة التنوير ومد جسور الفكر بين الشرق والغرب لتأسيس حضارة إنسانية متكاملة .

إن دور الأدباء في ثورات التنوير العالمي كانت الاساسية والأكثر أهمية آنذاك ، حيث ساهم أبرز المفكرين ومن أبرزهم فولتير، وجون لوك، وتوماس هوبز، وديفيد هيوم، وجون جاك روسو، وآدام سميث، وإمانويل كانط، وإسحق نيوتن وتوماس جيفرسون. وهولاء هم الذين وضعوا البنية الأساسية لانطلاقة الفكر التقدم العلمي والثقافي الذي ضمن للإنسان كرامته وحقوقه الانسانية.

إذا كانت الدول الشرق اوسطية وغيرها تحاول تهميش دور الأدباء والمفكرين فإن هذا يعني أن تلك الدول لا ترغب في الانتقال من البداوة إلى الحضارة أو من الظلام إلى النور ، فلا تقدم يذكر في اَي مجال من دون أن يكون للأدباء والمفكرين والشعراء والفنانين دور هام في رسم المعالم الحضارية للدولة وشعبها .

خلال عصر التّنوير، كان هناك تركيز أكبر على المناهج العملية وعلمنة التعليم، والتسامح الدّيني، والتعليم العام، والحريات الشخصية ، والعقلانية ، والفصل بين الدين والدّولة . وهذه أسس ثابتة إذا تم الالتزام بها في بلداننا فإننا ربما نستطيع أن نقول بأننا وضعنا أولى الخطوات بالاتجاه الصحيح لبناء الدولة الصحيحة، وضمان الحريات والتوجه الجديد نحو الانسانية والمجتمع المشترك ، ولكن وما تشهده الساحة اليوم من احتقانات سياسية وعسكرية وعدم تقبل الآخر ، فإننا على مسافة بعيدة جدا من تحقيق هذه الخطوة .

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Themetf
WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com