إلى أبي الحبيب.. في ذكرى رحيله

87

نسويات عشتار _ أمل محمد صارم :

الآباء لايرحلون.. ولكنهم ينامون قليلا.. على مخدات ذويهم ، يحفرون في الذاكرة عميقا قبورهم ، ويسرون حين يجتمع السمار في ليل فقدهم تاركين خلف فراغ أمكنتهم المفضلة، كرسيهم وسريرهم، و ذاك الركن في دهشة الرحيل المفاجئ.

تحتفظ جدائل بناتهن _حتى وإن شابت _برائحة الأبوة الفريدة حين كانت تقص لهن مازاد من وقت اللهو، و تفك لهن عقد الحياة، وتعقد لهن الآمال كي يصبحن متميزات، نزولا عند رجاء عينين، حفرتا في قلوبهن خلودها، و صوت كالصلاة خمسا، اتحد ذكره مع الآذان،

فكيف يخون الوقت ساكنيه وتغلق الأماكن أنسها بجالسيها؟ وتعلن صفاراتها نهاية هنا، وبداية هناك، عميقا في أخاديد قلب خبأ وجهك الذي أدمنه حد الفجائع التي خلفها غيابه،   هناك كيف أذعن لسرطان باغته في رئتيه بعد أن أن أعلن توبته عن عشق السيجارة اللف التي أبت إلا أن ترد لك صاع هجرها صاعين؟ فكيف قلي بربك أبتاه.. هانت عليها تلك العينين؟ 

ويحه ذالك السرطان، كيف سرق من عمري السند؟  وكيف جرعني فقدك وجعا للأبد؟ وكيف حولني إلى غريبة بدونك وانا التي لاتعرف العيش خارج  عينيك، و كف أمي، وتراب البلد.

ما كنت أبا فحسب.. بل قدوة، ومعلما، ونبيا، وأخا وأبا، وحتى ولد، رغم رحيلك المباغت لازلت أؤمن أن الآباء لايموتون  بل ينامون بصمت مهيب، ويتركون في القلوب من الشوق لظى ولهيب، يعبرون دروب الذاكرة نحو قبور اختارتها  لهم مواعيد تكفين الذكريات، لتبقى الحقيقة  الوحيدة التي  ضمت ما تبقى لنا من ذلك العبور الفريد ، بين ما كان وما يستقبلنا بعدهم من زمان الفقد، لتدق ساعات منبه ذكرى فقدهم داعية  كل ١٤ تشرين الثاني  كل التفاصيل الحميمة لمأدبة ذكريات ،  بل لتدخل في رحم  عبورك نحو الضفة الأخرى من العالم ، تحملك على جناح من مشاعر هي مزيج متداخل من كل شيء وأي شئ وأصغر شئ، من الفقد والحنين، من الحزن والحسرات، من الوحدة والخيبات، من شوق اللغة للكلمات، من عشق الشفاه للبسمات من حمى المنى لا تمتلك معاجم الأبجديات شرحا لها و  لا تتملك هجرا لها الأمنيات. 

تتنقل قلوبنا بحسرة من تجرع زقوم الفقد وصلاة  ترانيم قداسه، عند كل خشوع شوق، لا يترك لنا أملا، ولا حتى شعاع، كي نروي تصحر الوجد على بوابات انتظار، يرضيه أن تكتحل عيناه بتفاصيلك في منام يزيد العطش عطشا، ولايروي ظمآن، ولا يكتحل برؤية من نحب عيون إنسان،

خلف وجع فقدهم يغلقون بوابات النظر نحو تفاصيل وجوه كانت قبلة ذويها ،

فمن ينقذنا من سيل ذاكرة تجمع ملامحك، وتستعيد حنين عينيك ودفء صوتك وأنت تلقي تحية الصباح علي وتدعو بالخيرات لي…؟

من ينشلنا من سقوطنا في فخ الحنين لوجوه اعتدنا شرب القهوة رائحة و ذكريات على عتبات حارة هي أيضا رحلت لم يتبقى منها إلا ما احتفظت به الذاكرة التي أنكهكها رحيلكما معا، لتكتسي الحارة حجارة من بعد خضار، و ليمعن حضورك غيابا من بعد

استقرار، وليفضح رحيلك أبتي كل مافي جعبة الحنين من أسرار،

لاتخشى شيئا أبتي، فلاشيء قادر على محوك من جدران الذاكرة، و لاتسطيع

لا ليس في البال بعد أبتي  إلا فيض من حنين، كلما هبت الأيام وحملت وجهك أو حضورك ، لايخذله ازدحام ولا يضيره تقادم السنين ، فمازال في صدري أبتي لك شوق مجنون الحنين.

فوداعا ابتي إلى قعر الحنين، ستغيب لثوان كما مامر من عشرات السنين، وستبقى كرامتى وعزتي وكبريائي لما تبقى لنا من مكوث بين الأولين، فطب مقاما حيث أنت، إلى أن تجمعنا على عهدنا السنين.

ابنتك التي لاتنساك أبدا…

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Themetf
WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com